حكايات| كريم يونس.. «عميد جنرالات الصبر» يتنفس حريته خارج سجون الاحتلال

1


“لم تعد غرفة التوقيف باقية.. ولا زرد السلاسل.. إن الليل قد زال.. فيا دامي العينين والكفين أيقن إن النصر رغمًا عنك آتٍ”.. حكاية تتجدد ولا تنتهي يرددها كل فلسطيني في وجه سجانه بعد أن أمضى ربيع العمر في سجنه وحب فلسطين يجري في شرايينه.

40 سنة في المعاناة عاشها الأسير كريم يونس، عميد الأسرى الفلسطينيين في سجنه، وهو على يقين أن يوم الفرج آتٍ مهما بلغت مضايقات السجان ومهما عُصّبت العينين وسُلسلت القدمين، ووقف السجان بمنظومته القضائية الجائرة يتلو حكمًا قد سُطر مسبقًا دون دفاع .

في 6 يناير عام 1983، كان الشاب الفلسطيني كريم يونس، البالغ من العمر 24 عامًا، يقع في قبضة الاحتلال الإسرائيلي، بتهمة قتل جندي إسرائيلي، ليلحق بعده ابن عمه ماهر يونس بعد فقط 12 يومًا، ليمضيا سويًا 40 سنة في سجون الاحتلال.

واعتُقل عميد الأسرى كريم يونس من على مقاعد دراسته الجامعية في مدينة بئر السبع داخل الأراضي المحتلة، قبل أن يتبعه ابن عمه، حيث لم يشاهدا سويًا ذلك الحين لم يشاهدا الشمس سوى من خلف قضبان الاحتلال.

12 يومًا فقط باتت تفصل ابن عمه ماهر يونس ليلحق به هو الآخر خارج سجون الاحتلال المعتمة إلى نور أرض فلسطين، التي تتوق يوم للتحرر من محتلها الغاصب لها.

عميد جنرالات الصبر

وحُكم على الأسير كريم يونس بالسجن 40 عامًا، ليكون هو رفقة ابن عمه، أول أسيرين في تاريخ فلسطين يمضيان 40 سنة متصلة في سجون الاحتلال الإسرائيلي.

كما أن الأسير كريم يونس هو من بين 25 أسيرًا فقط في تاريخ فلسطين، لا يزالون في سجون الاحتلال منذ توقيع اتفاقية أوسلو في 13 سبتمبر عام 1993، قبل نحو 30 عامًا، وهم الذين يُطلق عليهم في فلسطين “جنزالات الصبر”، فكان كريم يونس، عميد الأسرى الفلسطيني، هو بطبليعة الحال «عميد جنرالات الصبر»

وهو داخل سجنه، لم يكن ذلك عائقًا دون ممارسته الحياة العامة والسياسية، كونه أحد طلائع حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح”، فانتخب من داخل زنزانته عضوًا في الحركة المركزية لحركة “فتح”، كما أنه رفقة الأسير مروان البرغوثي، تردد اسمهما في رهان الانتخابات الفلسطينية سواء التشريعية أو حتى الرئاسية عام 2021، تلك الانتخابات التي تم تأجيلها نتيجة تعنت إسرائيل ورفضها السماح بإجراء الانتخابات في مدينة القدس المحتلة.

واليوم يخرج كريم يونس من زنزانةٍ ضيقة إلى أرض فلسطين الرحبة الواسعة، ليستمر في رحلة نضاله، من أجل حرية أوطانه كما نال هو حريته.   

«سأترك زنزانتي»

وقبل أيام قليلة من نيله حريته، كتب كريم يونس رسالةً من محبسه نشرتها هيئة شؤون الأسرى والمحررين في فلسطين، حملت عنوان “سأترك زنزانتي”.

وقال كريم يونس، في رسالته، “ها أنا أُوشك أن أغادر زنزانتي المُظلمة، التي تعلمتُ فيها ألا أخشى الظلام، وفيها تعلمتُ ألا أشعرَ بالغربة أو بالوحدة، لأنني بين أخوتي، أخوةُ القيد والمعاناة، أخوة جمعنا قسمٌ واحد، وعهدٌ واحد”.

وأضاف: “أُغادر زنزانتي، ولطالما تمنيتُ أن أغادرها منتزعًا حريتي برفقةِ أخوة الدّرب، ورفاق النّضال، متخيلًا استقبال يعبر عن نصرٍ وإنجازٍ كبير، لكني أجد نفسي غير راغب، أحاول أن أتجنب آلام الفراق، ومعاناة لحظات الوداع لإخوةٍ ظننتُ أني سأكمل العمرَ بصحبتهم، وهم حتمًا ثوابتٌ في حياتي كالجبال، وكلما اقتربت ساعة خروجي أشعر بالخيبةِ وبالعجزِ، خصوصًا حين أنظر في عيون أحدهم، وبعضهم قد تجاوز الثلاثة عقود”.

وتابع: “سأترك زنزانتي، وأغادر لكن روحي باقيةٌ مع القابضينَ على الجمر المحافظين على جذوة النّضال الفلسطينيّ برمته، مع الذين لم ولن ينكسروا، لكن سنواتِ أعمارهم تنزلق من تحتهم، ومن فوقهم، ومن أمامهم، ومن خلفهم، وهم لا زالوا يطمحون بأن يروا شمس الحرّيّة لما تبقى من أعمارهم، وقبل أن تصاب رغبتهم بالحياة بالتكلفِ والانحدار”.

ومضى يقول: “سأترك زنزانتي، والأفكار فجأة تتزاحم، وتتراقص على عتبة ذهني وتشوشُ عقلي فأتساءل محتارًا على غير عادتي إلى متى يستطيعُ الأسير أن يحمل جثته على ظهره، ويتابع حياته والموت يمشي معه، وكيف لهذه المعاناة، والموت البطيء أن يبقى قدرهُ إلى أمدٍ لا ينتهي، في ظل مستقبلٍ مجهول، وأفق مسدود، وأمل مفقود وقلقٌ يزداد مما نشاهدُ، ونرى من تخاذلٍ، وعدم اكتراث أمام استكلاب عصاباتٍ تملك دولة، توحشت، واستقوت بخذلان العالم، على شعب أعزل، حياته تُنهش كل يوم دون أن يشعر أنّ جروحه قد لا تندمل، وأن لا أمل له بحياةٍ هادئة، ومستقرة، ومع ذلك بقي ندًا، وقادرًا على الاستمرار”.

واستكمل: “سأترك زنزانتي، وأنا مدركٌ بأن سفينتنا تتلاطمها الأمواج الدولية، من كل صوبٍ وحدب، والعواصف الإقليمية تعصف بها من الشّرق والغرب، والزّلازل المحلية، وبراكين عدوانية تكاد تبتلعها، وهي تبتعد، وتبتعد عن شاطىء حاول قبطانها أن يرسو إليه قبل أكثر من ربع قرن”.

وقال أيضًا: “سأترك زنزانتي، مؤكدًا أنّنا كنّا ولا زلنّا فخورونَ بأهلنا، وبأبناء شعبنا أينما كانوا في الوطن والشّتات، الذين احتضنونا، واحتضنوا قضيتنا على مر كل تلك السنين، وكانوا أوفياء لقضيتنا، ولقضية شعبنا، الأمر الذي يبعثُ فينا دائما أملاً متجددًا، ويقينًا راسخًا بعدالة قضيتنا، وصدق انتماءنا، وجدوى وجوهرِ نضالنا”.

وأردف قائلًا: “سأترك زنزانتي، رافعا قبعتي لجيل لا شك أنه لا يشبه جيلي، جيل من الشّباب الناشط والناشطات الذين يتصدرون المشهد في السّنوات الأخيرة، جيل من الواضح أنهم أقوى وأجرأ، وأشجع، والأجدر لاستلام الراية، كيف لا وهم المطلعون على الحكاية، والحافظون لكل الرواية، والحريصون على تنفيذ الوصايا، وصايا شعبنا المشتت المشرد، بانتزاع حقه بالعودة، وتقرير المصير، فطوبى لهذا الجيل الصاعد، برغم أجواء التهافت.

وختم بالقول: “سأتركُ زنزانتي، بعد أيام قليلة، والرّهبة تجتاحني باقتراب عالم لا يشبه عالمي، وها أنا أقترب من لحظةٍ لا بد لي فيها إلا وأن أمر على قديم جروحي، وقديم ذكرياتي، لحظة أستطيع فيها أن أبتسم في وجه صورتي القديمة، دون أن أشعر بالندم، أو بالخذلان، ودون أن اضطر لأن أبرهنَ البديهيّ الذي عشتهُ، وعايشته على مدار أربعين عامًا، علني أستطيع أن أتأقلمَ مع مرآتي الجديدة، وأنا عائد لأنشد مع أبناء شعبي في كل مكان نشيد بلادي نشيد الفدائي.. نشيد العودة والتّحرير”.



Source link

التعليقات معطلة.